الذهبي
389
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
قال : وقد كان قبل هذا أقام بالسّوس رجل من جزولة اسمه يحيى بن عبد الرّحمن ابن الجزّارة ، فاجتمع عليه خلائق ، فسارت إليه عساكر الموحّدين فهزمهم غير مرّة ، ثمّ إنّه قتل بعد أن كاد أن يملك ويظهر ، وكان يلقّب بأبي قصبة . وفي سنة إحدى وستّمائة قصد السّلطان أبو عبد اللَّه بلاد إفريقية ، وقد كان ابن غانية استولى عليها خلا بجاية وقسنطينة ، فأقام أبو عبد اللَّه على المهديّة أربعة أشهر يحاصرها وبها ابن عمّ ابن غانية ، فلمّا طال عليه الحصار سلّم البلد ، وفرّ إلى ابن عمّه ثمّ رأى الرجوع إلى الموحّدين ، فتلقّوه أحسن ملتقى ، وقدّموا له تحفا سنية ، ثمّ سار إليهم سير أخو ابن غانية فأكرموه أيضا . قال : وبلغني أنّ جملة ما أنفقه أبو عبد اللَّه في هذه السّفرة مائة وعشرون حمل ذهب . ورجع إلى مرّاكش في سنة أربع وستّمائة ، وبقي بها إلى سنة سبع ، ففرغ ما بينه وبين الإذفنش ملك الفرنجة من المهادنة ، فسار وعبر إلى إشبيلية ، ثمّ تحرّك في أول سنة ثمان وقصد بلاد الروم - لعنهم اللَّه - فنزل على قلعة لهم ، فافتتحها بعد حصار طويل ورجع ، فدخل الإذفنش إلى قاصية الروم يستنفر الفرنج حتّى اجتمعت له جموع عظيمة من الأندلس ومن الشام حتّى بلغ نفيره إلى القسنطينة ، وجاء معه البرشنونيّ صاحب بلاد أرغن ، فبلغ أمير المؤمنين محمد ، فاستنفر الناس في أول سنة تسع ، فالتقوا بموضع يعرف بالعقاب ، فحمل الإذفنش على المسلمين وهم على غير أهبة . فانهزموا وقتل من الموحّدين خلق كثير . وأكبر أسباب الهزيمة اختلاف نيّات الموحّدين وغضبهم على تأخير أعطياتهم ، فبلغني عن جماعة منهم أنّهم لم يسلّوا سيفا ، ولا شرعوا رمحا ، بل انهزموا ، وثبت أبو عبد اللَّه ثباتا كلّيّا ، ولولا ثباته ، لاستؤصلت تلك الجموع قتلا وأسرا ، وذلك في صفر . ورجع الملاعين بغنائم عظيمة ، وافتتحوا في طريقهم بياسة عنوة ، فقتلوا وسبوا ، فكانت هذه أشدّ على المسلمين من الهزيمة . ونقل أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم الجزريّ في « تاريخه » : أنّ الناصر أبا عبد اللَّه محمد بن يعقوب بن يوسف القيسيّ الكوميّ صاحب المغرب توفّي